كيف نقرأ أردنياً العدوان الإسرائيلي على شمال سوريا..؟

40

 

راكان السعايدة

هل على الأردن الحذر والتحوط من مواجهة محتملة بين تركيا و”إسرائيل” على الأرض السورية؟
إن الحذر وأخذ كل الاحتياطات (…) ضرورة بكل الأحوال، بسبب ما يمر به الإقليم من تحديات وأخطار.. وبسبب ما يمكن اعتباره تحذيراً استدعاه العدوان على مطار أبو الظهور السوري كرسالة لتركيا وسوريا ما قد يرشح، في أي لحظة، الأخيرة لتكون ساحة مواجهة.
فمثل هكذا مواجهة محتملة بين تركيا وسوريا و”إسرائيل” سيكون لها تأثيراتها المباشرة على الأردن، للأسباب الآتية:
أولاً: سوريا دولة حدودية، ومن هذه الحدود عبر إلى الأردن مئات آلاف اللاجئين، وأي حرب على أرضها ستدفع إلى لجوء الآلاف مجدداً.
ثانياً: جيش “إسرائيل” يحتل أجزاء من الأرض السورية، وله وجوده العلني والخفي على حدودنا، ويمتد إلى السويداء، وهذا الوجود فيه تهديد لأمننا.
هذه من بين أهم الأسباب التي تستدعي نظرة مختلفة إلى ما يجري على الأرض السورية، واحتمالات تطور الأحداث فيها وعليها.. وأظن بيقين أن الأردن يعطي انتباهاً كبيراً لكل ذلك.
“إسرائيل”، وإبان حكم النظام السابق، استثمرت حالة الصراع والفوضى هناك لتحقيق جملة من الأهداف، أهمها هدفان:
الأول: قطع طريق إمداد الأسلحة بين إيران وحزب الله.
الثاني: تجريد وتدمير مقدرات الدولة السورية العسكرية.

إذاً، ما الجديد الذي يستدعي الحذر الأردني؟
الجديد أن أهداف الاستهداف “الإسرائيلي” لسوريا تطورت منذ تولي النظام الحالي مقاليد الحكم في سوريا، وأخذت منحى تصاعدياً، وذلك من خلال:
أولاً: توسعت “إسرائيل” في احتلالها إلى أبعد من الجولان، واستولت على جبل الشيخ، وتمددت في جنوب سوريا في مناطق قريبة من الحدود مع الأردن، وهذه “منطقة رخوة” تهدد الأمن القومي الأردني، وتتعامل إسرائيل مع هذا الوجود بوصفه حزاماً أمنياً لحماية كيانها، ولا يبدو أن لديها نية في الانسحاب منها.
ثانياً: عمقت استهداف البنية العسكرية السورية لمنع أي محاولة لبناء جيش سوري قادر على حماية الدولة وحدودها.
ثالثاً: منع أي تركز عسكري واستخباري تركي على أرض سوريا.
هنا بيت القصيد؛ فإذا كانت “إسرائيل” استهدفت سوريا بذاتها ولذاتها إبان النظام القديم، فهي اليوم تستهدفها للأسباب ذاتها، لكنها أضافت إليها تركيا سبباً جديداً في عهد النظام السوري الحالي.
وبالنظر إلى العلاقة السورية التركية القوية، فالأخيرة كانت سنداً وداعماً صلباً خلف تغيير النظام، وعلى نحو تبدو معه العلاقة حلفاً استراتيجياً سيمنح تركيا موطئ قدم في سوريا، ترفضه “إسرائيل” وترى فيه تهديداً لأمنها.
بهذا المعنى، وإذا ما مررنا وتجاوزنا عن الاستهدافات “الإسرائيلية” السابقة لسوريا، فلا يمكن المرور عن الاستهداف الأخير لمطار أبو الظهور السوري، والقريب من الحدود مع تركيا.
الإسرائيليون اعترفوا بهذا الاستهداف، وبرروه بمنع تركيا من نصب قواعد دفاع جوي ورادارات في المطار، وهو ما نفته تركيا عموماً.
وبين مبررات الاستهداف “إسرائيلياً”، والنفي التركي، تعد هذه الحادثة الأخطر، وكان يمكن أن تشعل حرباً بين تركيا و”إسرائيل”.
ولا أدل على ذلك مما قاله المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك حرفياً لقناة i24NEWS: “الضربة الإسرائيلية حملت خطراً حقيقياً بالتصعيد السريع إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا، وكذلك مع سوريا”.
وهنا لا ننسى واشنطن بوصفها لاعبا رئيسيا في المنطقة ولتشابك علاقاتها القوي مع مختلف أطراف الصراع، وبخاصة الارتباط الاستراتيجي مع “إسرائيل”، ومع الأردن ولبنان..
الذي يعنيه هذا الأمر أن فرصة اشتعال مواجهة في أي لحظة بين تركيا وسوريا و”إسرائيل” مسألة ممكنة، سواء عن قصد أو نتيجة لخطأ ما، ولا يرجح أن يرتكب هذا الخطأ ويسيء التقدير غير “إسرائيل”.
و”إسرائيل” لديها قلق مضاعف من تركيا، وبينهما صراع سياسي وإعلامي كبير، و”إسرائيل” ترى في تركيا أكبر تهديد لها، وتنبأ مسؤولون كثر في الكيان بأن المواجهة مع تركيا ستكون تالياً بعد إيران.
كما أن لـ”إسرائيل” خطط معلنة وأخرى غير معلنة في سوريا لتنفيذ مخططها الأكبر المتمثل في “إسرائيل الكبرى، مثل مخطط “ممر داود” الذي يمتد من الجولان المحتل إلى جنوب سوريا حتى شمال العراق، ومخططها لدهم انفصل السويداء عن الدولة السورية..
لذا؛ “إسرائيل” لديها جملة من المعضلات في سوريا، أهمها:
أولاً: لا تثق بالنظام السوري الحالي، وتراه عدواً، ولذلك ستعمل كل ما يمكنها لإفشاله سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ولمنع النظام من بناء دولة قوية في كل المجالات؛ أي إنها تريد سوريا ضعيفة هشة، لا تقوى على حماية نفسها.
ثانياً: لا تثق بتركيا، ولا تريد أن يكون لها وجود في سوريا ، وبخاصة عسكرياً، وأن لا تمكّنها من مساعدة السوريين على بناء دولتهم اقتصادياً وعسكرياً، ولا على بناء منظومة حكم وإدارة.. ولا ننسى هنا أن تركيا ثاني قوة في “الناتو”، ولديها قدرة تصنيع عسكري معتبرة، فضلاً عن تأثيرها الإقليمي المتزايد، وبخاصة بعد تحالفها الدفاعي مع السعودية وباكستان.
أمام هذه المعطيات، يصبح مشروعاً ومنطقياً سؤال: ماذا لو كانت سوريا أرضاً للحرب بين تركيا، وحكماً سوريا، مع “إسرائيل”؟
مشروعية هكذا سؤال يفرضها أن تركيا، أكثر من سوريا، ربما لا يمكنها أن تحتمل مزيداً من الاستباحة الإسرائيلية لسوريا، ومن قبل لمصالح تركيا نفسها وهيبتها.
النظام السوري ذاته يدرك معنى الاستفزازات الإسرائيلية، لكنه ذكي بما يكفي كي لا يُجر إلى حرب قبل أن يعيد بناء الدولة، إن سمحت الظروف والتطورات له بتحقيق ذلك.
وببساطة، سوريا بالنسبة لتركيا ليست دولة جانبية منخفضة القيمة، بل أصل استراتيجي في بناء وتقوية نفوذها الإقليمي والدولي، ولن تسمح لأحد أن يزاحمها عليها أو يعطل تحالفها معها.
باختصار، إذا كانت سوريا تتحول إلى ساحة مواجهة المصالح المتعارضة بين تركيا و”إسرائيل”، فإن احتمال تحولها إلى ساحة احتكاك ومواجهة بينهما لم يعد افتراضاً بعيداً.
والأردن سيكون الأقرب إلى تداعيات أي مواجهة من هذا النوع، وهو ما يعني أن الحذر والتحوط ليسا خياراً سياسياً، وإنما ضرورة أمنية بالغة الأهمية تستدعي جملة من “التحركات” على مختلف الأصعدة.

قد يعجبك ايضا