الأردن بمواجهة إعادة هندسة “إسرائيل” للضفة والقدس
راكان السعايدة
مساران متلازمان ومتفاعلان، وأيضاً متداخلان، يشهدهما الشرق الأوسط؛ الأول: إعادة تشكيل الإقليم، وفي سياقه، ثانياً: إعادة تشكيل الضفة الغربية والقدس المحتلة.
القاعدة الأساسية، والتأسيسية، لفهم ما يجري ومآلاته هي أن الأحداث في المنطقة، وإن بدت منفصلة عن بعضها، إلا أنها في الحقيقة، مترابطة ومتداخلة، وتتكامل فيما بينها لخدمة مسار أوسع يتمثل في إعادة تشكيل الإقليم، وذات الشيء يجري إعادة تشكيل وهندسة الضفة الغربية والقدس المحتلة.
هذه المرة لن نركز على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وموقع الأردن فيه، فقد تناولنا ذلك، وإن بشكل أولي، في مقال سابق، وإنما سنعيد التركيز أكثر على ما تفعله “إسرائيل” في الضفة الغربية والقدس والمقدسات.
ذلك، ليس بوصف ما يفعله “الكيان” في الضفة والقدس المحتلة مجرد قرارات وإجراءات اعتدناها وتعايشنا معها خلال السنوات السابقة، وإنما لأنها، منذ العام 2023، أخذت طابعاً مختلفاً كلياً، باتجاه إعادة تشكيل بنية الضفة والقدس بصورة جذرية.
وهذا يستدعي، إجبارياً لا اختيارياً، فهم تداعيات ذلك على الأردن وحجم المخاطر التي يأتي بها (…). لكن أولاً، وقبل كل شيء، لا بد من فهم حجم وعمق التغيير البنيوي الذي أحدثته “إسرائيل” وتُواصل إحداثه في الضفة الغربية، وفي القدس ومقدساتها.
والسؤال هنا: ما حجم التغييرات البنيوية الاستيطانية بما فيها الرعوية والزراعية الجديدة في الضفة والقدس المحتلة؟ وكم منها جرى شرعنته؟ وما حجم الطرق التي شُقت ومساحاتها؟ وما الأراضي التي صودرت؟ وكم بيتاً ومنشأة هُدمت؟ وما عدد الحواجز والبوابات؟ وما دلالات التحول من الإدارة العسكرية إلى الإدارة المدنية، وتفويض الشرطة بدل الجيش لإنفاذ القانون على المستوطنين؟.
إن من شأن إجابة هذه الأسئلة الكشف عن حقيقة أنّ ما يجري أوسع بكثير من مجرد توسع استيطاني تقليدي.
كيف..؟
في أقل من ثلاث سنوات، نفذت “إسرائيل” عملية واسعة لإعادة هندسة الضفة الغربية، فالاستيطان لم يعد مجرد إضافة وحدات سكنية إلى مستوطنات قائمة، أو إقامة بعض البؤر الاستيطانية الجديدة هنا وهناك، وإنما أصبح جزءاً من عملية متكاملة تستهدف الأرض والملكية والحركة والإدارة والسكان..
أولاً: الاستيطان والبؤر الاستيطانية.. نلاحظ توسعاً لافتاً في المستوطنات القائمة، وأقيمت عشرات البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية الجديدة.
في عام 2025 وحده، تحدثت بيانات، بما فيها “إسرائيلية” عن إقامة 86 بؤرة استيطانية جديدة، بينها 58 بؤرة زراعية، وهناك بؤر يتم التحضير لإنشائها.
هذه أرقام تكشف طبيعة التحول في أدوات السيطرة على الأرض، وبخاصة البؤر الاستيطانية التي تختلف وظيفتها عن المستوطنة التقليدية؛ إذ لا تحتاج إلى تجمع بشري كبير كي تفرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الأرض.
بعض هذه البؤر تم شرعنتها كبؤر وتحويل بعضها الآخر إلى مستوطنات معترف بها رسمياً، بما ينقلها من واقع استيطاني قائم بصورة مخالفة إلى واقع استيطاني محمي بقرارات حكومية ونصوص قانونية.
ثانياً: السيطرة على الأرض.. إلى جانب التوسع الاستيطاني الذي هو جزء من الصورة الكلية، تم الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي عبر إعلانها بما يسمى “أراضي دولة”، وأوامر المصادرة، وإجراءات تسوية وتسجيل الأراضي، وشق الطرق الالتفافية، فضلاً عن التوسع في البؤر الزراعية والرعوية القائمة أصلاً، عدا عن الجديدة.
وهذه الأخيرة تحديداً أصبحت واحدة من أكثر أدوات السيطرة على الأرض فاعلية؛ لأنها تسمح بالتمدد من نقطة صغيرة إلى مساحات واسعة، عبر السيطرة على المراعي ومصادر المياه والأراضي المحيطة، ومن ثم دفع الفلسطينيين جراء الاعتداءات إلى هجرتها.
ثالثاً: الطرق.. عندما تصبح السيطرة على الأرض بهذا الشكل، فإن الطرق تتحول من مجرد بنية تحتية إلى أداة لإعادة رسم الجغرافيا.
بمعنى أن الطريق الذي يصل مستوطنة ببؤرة، أو بؤرة بمستوطنة أخرى، يوظف كأداة لتوسيع مجال السيطرة ويجعل الوجود الاستيطاني أكثر اتصالاً، من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤدي إلى تقطيع الجغرافيا الفلسطينية وإعاقة التواصل بين التجمعات الفلسطينية.
مثلا في العام 2024 وحده شق الاحتلال أكثر من 114 كيلومتراً من الطرق الجديدة المرتبطة بالتوسع الاستيطاني والسيطرة على الأرض.. هنا لا تعود المسألة مرتبطة بالطريق نفسه، وإنما بما ينتج عنه من واقع جغرافي جديد.
رابعاً: الحواجز والتحكم بالحركة.. فحتى نهاية عام 2025، وثقت الأمم المتحدة 925 عائقاً للحركة في الضفة الغربية، بينها 89 حاجزاً دائماً، و232 بوابة طرق، و218 حاجزاً جزئياً.
وهي عوائق هدفها يتجاوز الأسباب الأمنية إلى تصعيب حياة الفلسطينيين والتحكم في حركتهم وفي قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم ومزارعهم ومصادر رزقهم، وفي اتصال القرى والبلدات ببعضها بعضا.
خامساً: هدم البيوت والمنشآت.. في النصف الأول من عام 2025، هدمت سلطات الاحتلال 741 منشأة في المنطقة (ج) بدعوى عدم الحصول على تراخيص بناء، وفي القدس المحتلة، هدمت خلال الفترة نفسها 97 منشأة، بينها 54 منزلاً.
هنا لا يمكن النظر إلى الهدم باعتباره إجراءً إدارياً منفصلاً، لأن الصورة الأوسع تقول إن الفلسطيني يُضيَّق عليه في البناء والتوسع، بينما تتوسع المستوطنات والبؤر، ويجري شق الطرق إليها وتوفير الحماية والبنية التحتية لها.
سادساً: القانون والإدارة.. “إسرائيل” تعمل بصورة متزايدة على نقل صلاحيات كانت تقع ضمن الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية، في مجالات التخطيط والأراضي والاستيطان والتسجيل.
والمعنى هنا أن وجود الاحتلال في الضفة لم يعد يدار فقط باعتباره وجود قوة عسكرية في أرض محتلة، وإنما باعتباره مجالاً تتوسع فيه مؤسسات الكيان المدنية.
في الاتجاه نفسه، يأتي القرار الأخير بإعداد خطة لنقل مسؤوليات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين من الجيش إلى الشرطة، وهو تطور يحمل دلالة سياسية وقانونية تتجاوز مسألة توزيع الاختصاصات إلى ضم فعلي.
سابعاً: القدس والمسجد الأقصى.. هنا يأخذ هذا المسار شكلاً أكثر حساسية، لأنه لا يتعلق بالأرض والمساكن فقط، وإنما بالمقدسات والوضع القائم، وعلى رأسها المسجد الأقصى.
إذ أن التغيير هناك لا يحتاج، بالضرورة، إلى قرار واحد يعلن تغيير الوضع القائم، بل يحدث تدريجياً عبر زيادة الاقتحامات، وتغيير قواعد الدخول وأوقات الزيارة والصلاة، وطبيعة الحضور الأمني والسياسي، وبما يخلق واقعاً تراكمياً متسارعاً.
ما دلالة ذلك كله..؟
الدلالة الأهم أن ما يجري ليس مجرد توسيع للاستيطان، وإنما إعادة بناء لمنظومة السيطرة نفسها: الأرض يجري الاستيلاء عليها، والملكية يعاد تنظيمها، والمستوطنات والبؤر تتصل بالطرق، والطرق تحاط بالحماية، والحركة الفلسطينية تخضع للحواجز، والبيوت الفلسطينية تهدم، والإدارة تنتقل تدريجياً من العسكري إلى المدني، بينما يجري إضعاف قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة وظائفها.
وهكذا، فإن الصورة في الضفة والقدس المحتلة لا تتكون من إجراء واحد، وإنما من تراكم إجراءات تتفاعل مع بعضها وتنتج واقعاً جديداً.
أيّ أنه إذا جمعنا هذه الإجراءات معاً يصبح جلياً واضحاً أن ما يجري منذ العام 2023 ليس موجة استيطان جديدة يمكن إضافتها إلى موجات سابقة، بل مسار مختلف في طبيعته ووظيفته.
مسار يستهدف إعادة تشكيل وهندسة الضفة الغربية والقدس قبل إعلان أي ضم رسمي، بحيث يصبح الضم، إن حدث، مجرد تثبيت سياسي وقانوني لواقع جرى بناؤه على الأرض، تحت سمع وبصر الجميع، عرباً ومسلمين ودولاً ومنظمات أممية.
أردنياً..
تكمن هنا خطورة ما يجري على الأردن، وهذا الخطر لا يبدأ يوم تعلن “إسرائيل” رسمياً ضم الضفة الغربية، وإنما يبدأ عندما تصبح الضفة قد تغيرت جغرافياً وديموغرافياً وقانونياً وإدارياً إلى درجة تجعل أي تسوية مستقبلية عادلة شبه مستحيلة.
وعليه، فإن فهم هذه التغييرات لا يعود شأناً فلسطينياً فقط، ولا “إسرائيلياً” فلسطينياً، وإنما يصبح قضية أردنية مباشرة؛ لأن أي تغيير جذري في بنية الضفة والقدس سيعيد، بالضرورة، إنتاج أسئلة الحدود والأمن والديموغرافيا واللاجئين والمياه والقدس، وبالتالي سيعيد تعريف البيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها الأردن.
وهذا يفرض على الأردن، وقبل فوات الأوان، فعلاً سياسياً ودبلوماسياً استثنائياً، يدفع العرب والمسلمين وكل دول العالم الفاعلة إلى لجم “إسرائيل” وإجبارها على وقف ما تفعله في الضفة والمقدسات.
وإلا فقد يجد الأردن نفسه أمام الأسوأ، لا قدّر الله..
وبكل الأحوال، فإن ضرورات التحسب تفرض عليه أن يعد نفسه داخلياً للأسوأ.. وخارجياً، أن يبقى الهدف السياسي والدبلوماسي هو منع تصفية القضية على حسابه.