إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

15

غسان شربل

لا يشبهُ أسلوبُ دونالد ترمب أساليبَ أسلافِه؛ لا فِي الصَّداقاتِ ولا فِي العَداوات، ولا في الادارة الحُروب. جنرالٌ يديرُ المعركةَ شخصياً عبر الشَّاشات ووسائلِ التَّواصلِ والهَاتف. تعابيرُه لا علاقةَ لها بالدبلوماسية التقليديةِ والقفازاتِ الحَريرية. تهديداتُه لـ«حلفالناتو» غيرُ مَسبوقة. احتفالاتُه بمحوِ جزء من القيادةِ الإيرانيةِ في الضَّربة الأولى غريبةٌهي الأخرى.

يضربُ بشدةٍ ثم يشيرُ إلى طاولة المفاوضات. لا يتوقَّف طويلاً عند طبيعة من يخاطبه. يتحدَّثُ مثلاً عن استسلام إيرانَ متجاهلاً أنَّ نظامَها الذي لا يملك القدرةَ على كسبِ هذهالحربِ، عاجزٌ أيضاً عن إعلانِ الاستسلامِ أو الاعترافِ بالخسارة. قاموسُ إيرانَ مختلفٌعن قاموس الدَّولةِ العادية. إنَّها ثورةٌ رفضت اعتناقَ مواصفاتِ الدولة وشروطِهاوالتزاماتِها حيالَ جيرانِها والعالم.

في الحديثِ عن الحرب الحاليةِ تطلُّ أدوارُ ثلاثةِ رجال. اسمُ الأول الجنرال قاسمسليماني القائدُ السَّابقُ لـ«فيلق القدس». كانَ سليماني يتصرَّف وكأنَّ الحربَ الحاسمةمع إسرائيلَ آتية لا ريبَ فيها. وكانَ يعتقد أنَّ إزالةَ إسرائيلَ ليست مستحيلة وإناستلزمت سلسلةَ حروب. قالَ أمام أكثر من شخص من محورِ الممانعة، إنَّ «الضربةالكبرى» التي ستغرقُ إسرائيلَ تحت نيرانِ الصواريخ والمسيرات الوافدةِ من خرائطَمتعددة، ستُفقد إسرائيلَ صورتَها وحصانتَها وثقةَ الإسرائيليين بها، وستطلقُ موجةًكبرى من الهجرةِ المضادة. كانَ سليماني يتحدَّث أيضاً عن تغيير المنطقةِ عبر قطعِ«الخيط الأميركي» الذي يحولُ بنظره بين عددٍ من الدول العربية والحلمِ الإيرانيبتصديرِ الثورة. من هنَا جاءت خطةُ تطويقِ إسرائيلَ والدول العربية المستهدفةِ، بحزامٍمن الأنفاق والصواريخِ والمسيرات.

كانَ من بين مهماتِ سليماني الكبرى زعزعةُ النّظامِ الذي أقامَه الأميركيون في العراقبعد اقتلاعِ نظامِ صدام حسين. وتمَّتِ الزعزعةُ بالمشاركةِ في النّظام عبرَ الحلفاءوتجويفِه وإنشاء جيشٍ رديف. وبعدَ إطلالةِ «داعش»، نجح سليماني في بلورةِ «الحشدالشعبي» ودعمِه، ثم تحويله قوةً شرعيةً مع أعلى قدرٍ من الاستقلالية.

وكانَ من بين مهماته إخراجُ «حزب الله» اللبناني ونظامِ الرئيس السوري بشار الأسدمن العزلة التي أَحدقت بهما، بعد اتهامِهما بالضلوعِ في اغتيالِ رئيسِ الوزراء اللبنانيرفيق الحريري. وقد حقَّقت حرب 2006 بين «حزب الله» وإسرائيلَ هذا الهدفَ ورافقهاسليماني من الميدان اللبناني نفسِه.

على مدى سنواتٍ، نجح سليماني في بناءِ ما يسميه البعض «جيوش سليماني» في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وتمكَّنَ من إرجاءِ اختراق المحور عبر خاصرتِه السورية حين أقنعَ فلاديمير بوتين بالتَّدخلِ المشترك لإنقاذِ نظام بشار الأسد. وكانت بصمات سليماني واضحةً من غزةَ إلى صنعاء.

حاولت إيرانُ على مدى سنواتٍ طويلة، قطع «الخيط الأميركي» من دون الانزلاقِ إلىمواجهةٍ مباشرةٍ مع الولايات المتحدة. وكانَ الصّحافي الزائرُ يسمعُ في طهرانَ «إنَّكتسأل عن الحرب التي لن تقع»، و«إنَّ إيرانَ تصل إلى حافة الهاويةِ مع أميركا لكنَّها لاتقع فيها لأنَّها تدرك قدرةَ أميركا على إعادتها عقوداً إلى الوراء».

طبَّقت إيرانُ سياسةَ تفادي الانزلاق حين أمرَ ترمب في 3 يناير (كانون الثاني) 2020،باغتيال سليماني قربَ مطار بغداد. اكتفت بردٍّ شكليّ رغم الجرح الذي أصابَ المرشدَعلي خامنئي باغتيال الرَّجلِ الأقربِ إلى عقله وقلبه.

لا مبالغة في القول إنَّ ترمب قلبَ مسارَ النزاع بين أميركا وإيران. لم يجرؤ أسلافُه علىاتخاذِ قرار من قماشةِ اغتيال قائد «فيلق القدس» ومهندسِ «الجيوش الموازية». قرارُاغتيالِه كانَ أخطرَ بكثير من اغتيال أسامة بن لادن، ذلك أنَّ سليماني كانَ يستند إلىدولةٍ إقليميةٍ كبرى تنتشرُ «جيوشُها الصغيرةُ المتحركة» في خرائطَ عدة.

بعد عودةِ ترمب إلى البيت الأبيض، زارَ واشنطن رجلٌ كانَ منصبُه أتاحَ له لقاءَالمسؤولين الأميركيين والإيرانيين على مدى سنوات. بعد عودتِه سمعت منه أنَّجنرالات ترمب يحملونَ مشروعاً لمحاسبةِ إيرانَ على طموحاتها النوويةِ وتحرشاتهابالقواتِ الأميركية وتهديداتِها لدول الاعتدال ومحاولتها الإمساكَ بمفاتيحِ الطاقةوالمنطقة. وقتَها قالَ الرجلُ إنَّ إدارةَ ترمب لن تتردّد في تنفيذ انقلابٍ واسع علىالانقلابِ الذي نفذته إيرانُ في المنطقة.

في هذا السياقِ يمكن تفسيرُ احتضانِ أميركا للتَّغيير الذي حصلَ في سوريا، والذي أدَّىإلى قطعِ التواصل بين «جيوش سليماني». ويبرزُ هنا دورُ الرَّجل الثاني؛ وهو بنياميننتنياهو الذي نجحَ في إقناع ترمب بأنَّ إيرانَ الحالية و«جيوش سليماني» خطرٌ داهمعلى أميركا، وليسَ فقط على إسرائيل.

يمكن الحديثُ اليومَ عن ثلاثةِ أخطاء كبرى ارتكبتها القيادةُ الإيرانية. الخطأ الأولُ هوالانزلاقُ إلى مواجهةٍ مباشرة مع أقوى جيشٍ في التاريخ على حدّ قولِ ترمب. الخطأالثاني كشفَ نواياها العدوانيةَ حيالَ دول الخليج العربي والأردن بعد إمطارِها بصواريخَومسيّرات فاقت بمراتٍ تلك التي أطلقت على إسرائيل. الخطأ الثالثُ اعتبارها مضيقَهرمزَ رهينة تتحكم في أنفاس الاقتصاد العالمي، خصوصاً إذا ضمَّت بابَ المندبِ إلىلائحة الرهائن.

إنَّنا في بداية الشهر الثاني من حربٍ كبرى. إذا أدَّت الغاراتِ الأميركيةَ والإسرائيلية إلىتدمير قدراتِ إيرانَ الهجوميةِ والدفاعية ومعها قدرتها على تهديدِ جيرانها والمضائق،فستجد المنطقةُ نفسها أمامَ مشهدٍ جديد في إيرانَ وعمومِ الإقليم، خصوصاً في الدولالتي تتحرَّك فيها «جيوش سليماني». خسارةُ إيرانَ لقدرتِها على توجيه رسائلَ النار إلىدولِ الإقليم، ستعني عملياً تغييراً في نظامِها وموقعِها وميزانِ القوى بينَها وبين جيرانها.

لا مبالغةَ في القول إنَّ ترمب «أخطر الجنرالات» على إيرانَ و«جيوش سليماني». نجاحُالانقلاب الذي يقودُه على الانقلاب الإيراني الطويلِ سيغيّر ملامحَ المنطقة وتوازناتِهاوالتوازناتِ الدولية فيها. الظّلُ الأميركيُّ بدا حاسماً في مصيرِ الحرب والمنطقة، في حينبدت روسيا غارقةً في بلادِ زيلينسكي، وفضَّلتِ الصينُ سياسةَ الحكمة وتفادي إحراقِالأصابع.الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا