الأردن ليس على حافة العتمة: قراءة “هندسية” في ضجيج “انقطاع الكهرباء”

27

حسين الصرايرة

الأردن ليس على حافة العتمة: قراءة “هندسية” في ضجيج “انقطاع الكهرباء”

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يتكرر مشهد مألوف في الفضاء العام منتحذيرات متسارعة، تحليلات متعجلة، وسيناريوهات سوداوية تتحدث عن انقطاعوشيك للكهرباء، وكأن المنظومة الوطنية تقف على حافة الانهيار. ومع الحديث عنتداعيات الحرب وتأثر إمدادات الغاز في المنطقة، عاد هذا الخطاب بقوة، مستنداً فيكثير من الأحيان إلى مقارنة سريعة مع تجربة مصر في توزيع الأحمال. غير أن هذهالمقارنة، رغم جاذبيتها الإعلامية، لا تعكس الواقع الفني لمنظومة الطاقة في الأردن.

ما جرى في مصر كان نتيجة عجز فعلي في التوليد، فرضته محدودية إمدادات الغازالطبيعي، وعدم وجود تنوع طاقي كاف يتناسب مع حجم الاستهلاك فبينما الأردنيستهلك قرابة ٤ جيجا واط مصر تحتاج ٤٠ جيجا واط، أي ١٠ أضعاف الحاجة الأردنية، ماأدى إلى عدم قدرة محطات الكهرباء على تلبية الطلب القائم. في تلك الحالة، لم يكنتوزيع الأحمال خياراً لدى المصريين، إنه ضرورة تشغيلية لتفادي انهيار كامل للشبكة،كما حدث في الأردن الصيف الماضي إذا كنتم تذكرون.

أما في الأردن، فإن الحديث يدور حول احتمال ارتفاع كلفة الوقود أو تعقيد سلاسلالتوريد، لا حول انقطاعها الكامل. وهذه نقطة فارقة كثيراً ما يتم تجاهلها في النقاشالعام. فهندسياً، ثمة فرق جوهري بين نظام يعجز عن إنتاج الكهرباء لغياب الوقود،ونظام قادر على الإنتاج لكنه يواجه كلفة أعلى.

لقد طوّر الأردن خلال السنوات الماضية منظومة كهربائية أكثر مرونة مما يُصوَّر فيبعض الخطابات المتداولة. فمحطات التوليد الرئيسية تمتلك في جزء منها القدرة علىالعمل على أنواع وقود بديلة، كما أن البنية التحتية للغاز المسال عبر ميناء العقبة توفرخياراً إضافياً في حال تعثرت بعض الإمدادات. هذه المرونة لا تلغي التحديات، لكنهاتقلل بشكل كبير من احتمالية الانزلاق السريع نحو سيناريوهات الانقطاع الشامل أوحتى المبرمج.

إن توزيع الأحمال ليس إجراءً احترازياً يُتخذ بسهولة، وإنما مؤشر على وصول المنظومةإلى حالة عجز حقيقي عن تلبية الطلب. ولكي يصل الأردن إلى هذه المرحلة، لا بد منتوافر سلسلة من العوامل المتزامنة، تشمل انقطاعاً واسعاً وممتداً لإمدادات الوقود،وعدم القدرة على التعويض عبر البدائل، إلى جانب ضغوط تشغيلية إضافية. وهذهشروط مركبة لا يمكن افتراض تحققها بمجرد وجود توتر إقليمي، هذه الحالة تتطلبانهياراً فعلياً في منظومة التزوّد بالطاقة، وهو ما لا تشير إليه المعطيات الحالية، لا سيماأن مخزون الطاقة الأردني في حال الانقطاع التام للتوريد يستمر ٣٠ يوماً، أي من لحظةانقطاع مصادر الطاقة تماماً، وهو رقم لا يبدأ العد العكسي فيه إلا وفقط إلا توقفت كلمصادر الطاقة الأخرى، أي أن الثلاثين يوماً هذه تكون بعد صافرة الحكم وليست قبلها.

المفارقة أن النقاش العام ينصرف في كثير من الأحيان إلى سيناريو “هل ستنقطعالكهرباء؟”، بينما يتجاهل السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً: ما كلفة استمرار التزوّد بالطاقةفي ظل هذه الظروف؟ فالتحدي الحقيقي الذي قد يواجه الأردن ليس في توفر الكهرباءبحد ذاته، وإنما في كلفتها الاقتصادية، وانعكاس ذلك على المالية العامة والتعرفةمستقبلاً. وهذه قضية تستحق نقاشاً أكثر جدية وعمقاً من الاكتفاء بترويج سيناريوهاتانقطاع لا تستند إلى معطيات فنية كافية.

إن التهويل في مثل هذه القضايا لا يخدم المصلحة العامة، تماماً كما أن التهوين غيرالمدروس لا يخدمها أيضاً. المطلوب هو خطاب عقلاني يميّز بين المخاطر المحتملةوالوقائع الفعلية، ويستند إلى قراءة تقنية دقيقة بعيداً عن الإسقاطات السريعةوالتعميمات المضللة. فإدارة الأزمات لا تبدأ بإثارة القلق، لكن ببناء فهم صحيحلطبيعتها وحدودها.

يجب أن ندرك أن الأردن لا يقف اليوم على أعتاب “العتمة” كما يحلو للبعض أن يصوّر،بل يواجه تحدياً مختلفاً، عنوانه إدارة كلفة الطاقة في بيئة إقليمية مضطربة. وهذا تحدٍحقيقي، لكنه لا يبرر القفز إلى استنتاجات غير دقيقة حول انقطاع وشيك للكهرباء. وبينالهندسة والسياسة، تبقى الحقيقة أبسط مما يُقال؛ القدرة على الإنتاج قائمة، أماالتحدي فهو في كلفة هذا الإنتاج، لا في وجوده.

وعن خبراء “أبو الشلن” والشاشات التي تأويهم حديث آخر..الرأي

قد يعجبك ايضا