“الحرسيون” وأوراق قوة ضاغطة 3
نادية سعد الدين
ليست السيطرة الكاملة على مضيق هرمز الإستراتيجي وحدها ورقة وازنة بيد الحرس الثوري الإيراني، فهناك أوراق قوة ضاغطة أخرى تتنقل بين مضيق باب المندب وأمن الملاحة البحرية العالمية حتى «الإخوان المسلمين»، بعدما عزز النظام دوره المتنامي في إدارة العلاقات الإيرانية إقليمياً.
لا شك أن إغلاق مضيق هرمز أمام سفن أميركا وأوروبا والكيان الصهيوني يُعد ضربة قوية تستند إليها إيران عقب إيكال مهمة حماية الممر المائي لقوات الحرس الثوري، منذ عام 2008، وخلو قانونها البحري من الاعتراف بالمضائق الدولية، رغم أنها من الدول الموقعة على «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» لعام 1982، مع التحفظات، بما يقدم المظلة لإعلان الحرس إحكام السيطرة على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، ونشر قواته وعتاده العسكري عند مشارفه الشمالية والشرقية، باعتباره القيّم عليه.
ولا تُعد خطوة إغلاق مضيق هرمز سهلة؛ فالممر المائي يعد شرياناً نفطياً عالمياً، حيث يمر عبره حوالي 40 % من الإنتاج العالمي النفطي، ونحو 80 % من النفط السعودي والعراقي والإماراتي والكويتي نحو الأسواق الآسيوية، فيما يشكل معبراً حيوياً لنقل نحو 22 % من السلع والبضائع التجارية الأساسية في العالم، منها المستوردة لدول الخليج العربية، فضلاً عن اعتماد الواردات النفطية والغازية الكبيرة لدول العالم، متضمنة تلك الخاصة بالولايات المتحدة، على المرور الآمن للناقلات منه.
وبذلك؛ فإن توقف حركة الملاحة في المضيق سيخل بالسوق العالمي، ويشكل كارثة اقتصادية وغذائية عالمية، ويمس أمن الطاقة وحرية التجارة الدولية، ويُعيق خطوط الإمداد التجاري، لا سيما إذا حدثت مواجهة عسكرية، سواء أكانت محدودة أم شاملة، بين بحرية الحرس والبحرية الأميركية في المضيق، أو عند قيام قوات الحرس بزرع الألغام واستخدام الصواريخ الباليستية المنتشرة على طول السواحل الإيرانية لإعاقة مرور السفن ومهاجمة منصات النفط وموانئ التصدير والإنتاج والتعرض لناقلات النفط والسفن التجارية العابرة، مما يُهدد أمن المنطقة.
وتزداد التحديات ثقلاً عند سيطرة إيران على مضيق باب المندب من خلال جماعة «الحوثيين»، ووضع اليد على منافذ تجارة النفط الدولية، عبر شن الهجمات ضد ناقلات النفط العابرة في المضيق عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ما يمكنها من اللجوء، أو التهديد، بعرقلة الملاحة في الممرات المائية، وما ينجم عنه من تأثير في أسعار النفط العالمية، كوسيلة للضغط والرد على العدوان الأميركي– الصهيوني ضد أراضيها.
ويؤدي استمرار أزمة البحر الأحمر بدون أفق سياسي قريب لتحديات كبيرة؛ فمع استغراق مدة تحويل مسار السفن لأسبوعين إضافيين، فإن تعطيل التدفق الحر للموارد الهيدروكربونية على المدى الطويل يخلف تحديات لأسواق الطاقة العالمية وللتجارة الدولية، والذي ستتأثر به اقتصادات دول الخليج العربية لاعتمادها الكبير على عائدات النفط والغاز كمصدر رئيسي للدخل الوطني، ولانخراطها في مشاريع إقليمية كبرى تهدف إلى إنشاء ممرات اقتصادية تعتمد غالباً على الشحن بالسفن، وبالتالي، فإن غياب نقل آمن واستقرار أمني إقليمي يجعل من التصدير أمراً صعباً.
إن لاستهداف السفن التجارية وناقلات النفط، سواء أثناء الحروب أو نتيجة القصف الجوي أو أعمال التخريب المُتعمدة، تداعيات، بيئية وإنسانية واقتصادية، فادحة، نتيجة الأعطاب التي تطالها. بينما يصبح التهديد الأمني للملاحة البحرية أكثر تعقيداً نظير اتساع نطاق المجال البحري وصعوبة السيطرة عليه وضبطه، وامتلاك الجماعات المُنفذة للهجمات أسلحة متطورة، مقارنة بالسابق، في استهداف السفن التجارية وناقلات النفط.
غير أن أوراق «الحرسيين» الضاغطة لا تتوقف هنا فقط؛ بل تمتد لتشمل ساحات نفوذ طهران في المنطقة، وربما توظيف ورقة جماعة «الإخوان المسلمين»، المحظورة أردنياً وسعودياً وإماراتياً ومصرياً، وإعادة ترتيب لقاءات ثنائية مُجدداً تحت لافتات التعاون والوحدة الإسلامية، لمناوأة خصمي إيران التقليديين، السعودية ومصر، وتقديم مزيد من الدعم «للحوثيين» عن طريق تشجيع القبائل اليمنية على الالتفاف حولهم، فيما ترى الجماعة في النظام الإيراني حليفاً محتملاً وسط الرفض الذي تواجهه أينما حلت، والذي تجسد لاحقاً بافتتاح أول فرع لها في منطقة الأحواز بإيران، مما يثير احتمالات مسعاها لجعل المنطقة موئلا لاحتضان عناصرها، لا سيما الفارة من دول الخليج ومصر وتلك المطلوبة أمنياً، بالتنسيق مع الحرس حتى تكون تحت أعينه وأداته لتوظيفها كورقة ضاغطة، أسوة بما سبق، ضد العدوان الأميركي– الصهيوني على الأراضي الإيرانية.الغد