طوفان الأقصى.. يوم انكسر الوهم وسقطت الأقنعة
الدكتور محمد بن عقيل العوايدة
لم يكن طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 مجرد عملية عسكرية نفذتها حركة حماس، ولا حادثة يمكن اقتطاعها من سياقها التاريخي والسياسي؛ بل كان انفجاراً مدوياً في وجه واقع فلسطيني دام عقوداً، عنوانه الاحتلال والاستيطان والحصار والتهجير والاعتداءات المتكررة على الشعب الفلسطيني، ومحاولات فرض الأمر الواقع على الأرض، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى.
ولسنوات طويلة، حاولت دولة الكيان وحلفاؤها إقناع العالم بأن القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها، وأن التطبيع والعلاقات الإقليمية والمصالح الاقتصادية قادرة على دفننا ، وأن الفلسطينيين يمكن إبقاؤهم تحت الاحتلال إلى ما لا نهاية.
فجاء السابع من أكتوبر ليقول إن القضية التي ظن البعض أنها ماتت ما زالت حية، وإنالشعوب لا يمكن اختزال حقوقها في ملفات أمنية أو اقتصادية.
لماذا وقع الطوفان؟
لم تأتِ العملية من فراغ. فقد سبقتها سنوات طويلة من الحصار المفروض على فطار غزةّ، والتوسع الاستيطاني، والاقتحامات والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس،وانسداد الأفق السياسي، وفشل المجتمع الدولي في إنهاء الاحتلال .
ومن منظور حماس، كان القرار محاولة لكسر قواعد الاشتباك القائمة، وضرب منظومة الردع الإسرائيلية، وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام، وفرض معادلة جديدة على دولة الكيان والمجتمع الدولي .
وقد حققت العملية في ساعاتها الأولى مفاجأة عسكرية وأمنية غير مسبوقة لدولة الكيان ؛ فانهارت أجزاء من منظومة الحماية الحدودية، ووصل المقاتلون إلى مواقع عسكرية ومستوطنات، وقُتل وأُسر عدد من الإسرائيليين، وتعرضت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية لصدمة استراتيجية كشفت أن التفوق التكنولوجي والإخباري لا يعني امتلاك حصانة مطلقة.
لقد كان السابع من أكتوبر يوم سقوط أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر
وسقوط الاعتقاد بأن القوة العسكرية تستطيع وحدها ضمان الأمن وإلغاء حقوق شعب كامل.
الرد الإسرائيلي… من استعادة الردع إلى تدمير غزة
لكن الرد الإسرائيلي تجاوز، بصورة هائلة، مفهوم الرد العسكري المحدود، وتحولت الحرب إلى حملة عسكرية شاملة على قطاع غزة.
فُتحت أبواب الجحيم على أكثر من مليوني فلسطيني؛ قصفٌ واسع، ونزوح جماعي،ودمار هائل للمنازل والأحياء، وانهيار للمستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات المياه والكهرباء والطرق، وأزمة إنسانية عميقة، فضلاً عن سقوط أعداد هائلة من الشهداء والجرحى، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال وأستشهد عدد كبيرمن القادة والمقاتلين .
وهنا يبرز السؤال الأكثر خطورة
إذا كانت دولة الكيان تملك كل هذه القوة العسكرية والتكنولوجية والاستخبارية،فلماذا لم تستطع حتى الآن أن تحسم القضية الفلسطينية؟
الجواب ببساطة أن القوة تستطيع تدمير المباني، لكنها لا تستطيع تدمير قضية سياسية ؛ وتستطيع قتل المقاتلين، لكنها لا تستطيع قتل حق شعب في الحرية؛وتستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها صناعة الشرعية
فلسطين… من قضية منسية إلى قضية العالم
ومن أكبر النتائج الاستراتيجية لطوفان الأقصى أنه أعاد القضية الفلسطينية إلى قلب السياسة الدولية
فبعد سنوات من التراجع النسبي في الاهتمام العالمي، أصبحت فلسطين في صدارة النقاش السياسي والإعلامي والحقوقي والقانوني الدولي. واتسعت حركة التضامن الشعبي العالمي، وبرزت القضية بقوة في الجامعات والبرلمانات ومنظمات حقوق الإنسان ، كما تصاعدت الإجراءات والتحركات القانونية والدبلوماسية الدولية المتعلقة بالحرب والاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني.
كما اتخذت دول جديدة خطوات للاعتراف بدولة فلسطين أو تعزيز علاقاتها معها،وأصبح الحديث عن إنهاء الاحتلال وحق الفلسطينيين في تقرير المصير أكثر حضوراً في المحافل الدولية.
وهذه ربما إحدى أهم المفارقات السياسية في الحرب
دولة الكيان أرادت القضاء على حماس وإسكات القضية، فإذا بالقضية الفلسطينية تصبح أكثر حضوراً في الوعي العالمي
لقد أصبحت صور غزة ودمارها شاهداً يومياً على مأساة الشعب الفلسطيني، ولم يعدمن السهل على العالم أن ينظر إلى الصراع من خلال رواية الإحتلال وحدها.
الخلاصة: ما بعد الطوفان
لقد غيّر طوفان الأقصى معادلات كثيرة هزّ إسرائيل أمنياً وسياسياً، وأعاد فلسطين إلىصدارة المشهد الدولي، وكشف هشاشة مقولة إمكانية تجاوز القضية الفلسطينية، لكنهفي الوقت ذاته أطلق حرباً مدمرة دفعت غزة ثمناً لا يمكن وصفه بالكلمات
إن إعادة إعمار غزة ضرورة إنسانية، ومحاسبة من ارتكب انتهاكات للقانون الدولي ضرورةّ قانونية، وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ضرورة سياسية. أما استمرار الاحتلال والتهجير والاستيطان، ثم انتظار أن يعيش الفلسطينيون في أمن وسلام ، فهو وهم أثبتت السنوات أنه غير قابل للحياة
يستطيع الاحتلال أن يهدم غزة حجراً حجراً، وأن يقتل المقاتلين ويهدم الأنفاق والمباني ؛ لكنه لن يستطيع هدم إرادة شعب يبحث عن الحرية.
فالأرض يمكن أن تُحتل، والبيوت يمكن أن تُهدم، والأجساد يمكن أن تُقتل؛ أما الحق فلا يقتل ، والقضية لا تُدفن تحت الركام، والشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا يمكن أن تنهزم بالقوة وحدها.
ولقد ثبت أهل غزة على الحق وقدموا التضحيات الكثيرة وثبتوا على دينهم .
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [ سورة آل عمران: 139]
وبالنهاية فأن الله وعدهم بالنصر وإنه آت لا محالة.
وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾40 الحج