الحكومة والبرلمان والأحزاب.. مسؤولية مشتركة لا أدوار متنافسة

59

المهندسة: نور ابو اربيحة

تعالوا نتحدث بصراحة؛ فنجاح أي دولة لا يعتمد على أداء الحكومة وحدها، ولا علىقوة البرلمان وحده، ولا على عدد الأحزاب الموجودة على الساحة، وإنما على قدرةجميع هذه المؤسسات والقوى السياسية على القيام بأدوارها كما يجب.

الحكومة تضع السياسات وتنفذ البرامج وتتحمل مسؤولية القرارات والنتائج، والبرلمانيشرع ويراقب ويحاسب، بينما يفترض أن تقوم الأحزاب بدور سياسي يتجاوزالانتخابات، من خلال تقديم البرامج والرؤى، ومناقشة القضايا الوطنية، وطرح البدائل،وشرح مواقفها للمواطنين.

المشكلة تبدأ عندما يختلط دور كل طرف أو يتراجع عن مسؤولياته.

فالحكومة ليست مطالبة بإرضاء الجميع، لكنها مطالبة بأن تكون قراراتها واضحةومبررة وقابلة للنقاش والمساءلة. والبرلمان ليس مطلوباً منه أن يكون خصما للحكومةفي كل ملف، كما أنه ليس مطلوبا منه أن يتحول إلى جهة تصديق على قراراتها.

وظيفة النائب الحقيقية أن يسأل ويدقق ويراقب ويشرع ويحاسب، وأن يميز بين القرارالذي يخدم المصلحة العامة والقرار الذي يحتاج إلى تعديل أو مراجعة. فالمعارضةالدائمة ليست إنجازا بحد ذاتها، كما أن الموافقة الدائمة ليست دليلا على الحكمة أوالمسؤولية.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية.

فالحزب ليس مجرد مظلة انتخابية تجمع المرشحين في موسم الانتخابات، وإنما إطارسياسي دائم يفترض أن يمتلك برنامج واضح ومواقف محددة، وأن يشارك في النقاشالوطني، ويقدم الحلول والبدائل، ويشرح للمواطنين ما الذي يريده وما الذي يرفضهولماذا.

لكننا بحاجة إلى أن نسأل بوضوح: أين الأحزاب من القضايا التي تشغل المجتمع؟

عندما تطرح الحكومة مشروعاً اقتصادياً أو تشريعاً جديداً أو قرارا يمس حياةالمواطنين، يفترض أن تكون الأحزاب حاضرة في النقاش، لا من خلال البيانات فقط،وإنما عبر الدراسات والندوات والمقترحات والبدائل.

الحزب الذي لا يشرح موقفه للمواطن، ولا يناقش السياسات العامة، ولا يقدم بديلا،يبقى حضوره محدودا مهما كان عدد أعضائه أو نوابه.

والأمر نفسه ينطبق على الحضور الحزبي داخل مجلس النواب.

فوجود عدد من النواب تحت مظلة حزبية لا يعني بالضرورة أن العمل النيابي أصبححزبياً. القوة الحقيقية تظهر عندما يكون للنائب الحزبي موقف يستند إلى برنامج حزبه،وعندما يكون للحزب دور واضح في التشريع والرقابة والمساءلة وصناعة المواقف.

نحن بحاجة إلى أحزاب تمتلك القدرة على إنتاج المواقف، لا مجرد إصدارها، وعلىمناقشة السياسات لا الاكتفاء بانتقاد نتائجها، وعلى تقديم البدائل لا الاكتفاء برفض ماهو قائم.

كما أن العمل الحزبي داخل البرلمان يجب ألا يتحول إلى التزام أعمى بموقف الحزب،وإنما إلى ممارسة سياسية واعية تجمع بين الانضباط الحزبي والمسؤولية الوطنيةوالدستورية.

وفي المقابل، فإن الحكومة بحاجة إلى برلمان قوي، لأن الرقابة الجادة تساعد علىاكتشاف الخلل وتصحيح المسار، كما أن الحكومة بحاجة إلى أحزاب فاعلة تستطيع أنتطرح أفكار وبرامج يمكن أن تشكل رافدا للحياة السياسية.

الدولة لا تحتاج إلى صراع دائم بين السلطات، وإنما تحتاج إلى توازن بينها.

فالبرلمان ليس حكومة ظل بالضرورة، والحكومة ليست فوق المساءلة، والحزب ليسمجرد ماكينة انتخابية، والنائب ليس مجرد ناقل لمطالب دائرته.

كل طرف لديه مسؤولية واضحة.

وعندما يضعف أحد هذه الأطراف، تظهر حالة من الفراغ السياسي؛ فتزداد مساحة ردودالأفعال، وتتراجع مساحة النقاش الموضوعي، ويصبح المواطن أمام مواقف متفرقة لايعرف دائماً من يقف وراءها أو ما البديل الذي يطرح في مقابلها.

ومن هنا فإن تطوير الحياة السياسية في الأردن لا يكون فقط بزيادة عدد الأحزاب أوالنواب المنتمين إليها، وإنما بتحويل الانتماء الحزبي إلى ممارسة سياسية حقيقيةداخل البرلمان وخارجه.

نريد حزبا يناقش قبل أن يقرر، ويقنع قبل أن يطالب، ويقدم البديل قبل أن يرفض،ويحاسب نفسه كما يحاسب الحكومة.

ونريد برلمانا يمارس صلاحياته الدستورية بثقة واستقلالية، لا تابعا للحكومة ولا أسيراللمواقف الشعبوية.

ونريد حكومة تدرك أن قوة المؤسسات الرقابية والتشريعية ليست عائقاً أمامها، بلجزء من قوة الدولة واستقرارها.

في النهاية، لا تقاس قوة النظام السياسي بعدد القرارات التي تمر بسهولة، ولا بعددالمواقف المعارضة، ولا بعدد الأحزاب المسجلة، وإنما بمدى قدرة المؤسساتالسياسية على إنتاج قرارات أفضل، ورقابة أكثر فاعلية، وبرامج أكثر واقعية، وثقة أكبربين المواطن ومؤسسات الدولة.

الحكومة تنفذ، والبرلمان يشرع ويراقب، والأحزاب تطرح الرؤى والبدائل؛ وعندما يقومكل طرف بدوره، تتحول السياسة من صراع على المواقف إلى شراكة في صناعة القرارالوطني.

قد يعجبك ايضا