توقيت غير مناسب

16

مكرم أحمد الطراونة

أحيانا، قد تمتلك الحكومات قرارات صحيحة من حيث المبدأ، ومدروسة الأثر، ويمكنتبريرها من حيث الحاجة المالية أو التنظيمية أو الإصلاحية، لكنها تخسر جزءا كبيرا منمشروعيتها الاجتماعية حين تطرح في غير موعدها.

 تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، تهدف لحماية استدامة المؤسسة، وصونمدخرات المشتركين، ومنع أيّ اختلالات مستقبلية تهدد واحدة من أهم مؤسساتالحماية الاجتماعية في الدولة. رفع أسعار المحروقات، حين تكون الحكومة محكومةبمعادلات الطاقة العالمية، وبالأسعار الدولية، وبسياسات مالية تراكمت عبر سنواتطويلة لا تسمح بهوامش واسعة للمناورة. وقانون السير الذي رفع سقف المخالفات،بهدف حماية الأرواح، وتقليل الحوادث، وخفض فاتورة الخسائر البشرية والاقتصاديةالتي تتحملها الدولة والمجتمع سنويا.

كلها قوانين وإصلاحات ضرورية، والخلاف ليس كبيرا حولها، فشريحة واسعة منالمواطنين تدرك أن الدولة لا تستطيع دائما إدارة الملفات الحساسة بمنطق الشعبيةأو إرضاء المزاج العام. لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين تتراكم القرارات الصعبة فوقكتفي مواطن لم يعد يشعر أصلا أن لديه أي قدرة إضافية على التحمل.

المواطن الأردني يعيش ضيقا اقتصاديا، وحالة استنزاف ممتدة منذ سنوات. منذجائحة كورونا، مرورا بالاضطرابات الإقليمية، والحرب على غزة، والتوترات العسكريةالتي ألقت بظلالها على المنطقة، لم يتمكن الاقتصاد المحلي من استعادة توازنهالكامل، ولم يتمكن دخل الفرد من اللحاق بمعدلات التضخم، ولا بارتفاع تكاليفالحياة، ولا بتغير أنماط الإنفاق الأساسية.

خلال هذه السنوات، بقيت الرواتب شبه ثابتة، بينما ارتفعت كلف الغذاء والطاقةوالتعليم والنقل والعلاج والإيجارات والخدمات الأساسية. ومع الوقت، لم يعد كثير منالأردنيين يعيشون على دخلهم الحقيقي، بل على قدرتهم على الاقتراض.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن مديونية الأفراد في الأردن وصلت مع نهاية 2025 إلىما يزيد على 14 مليار دينار، وهو رقم يعكس حجم التحول في نمط الحياة الاقتصاديةللأسر، بينما يبلغ عبء اقتطاع المديونية من دخل الأفراد نسبا مرتفعة تتجاوز 40 % لدى شرائح واسعة. أما الديون المتعثرة، فارتفعت بدورها إلى مستويات مقلقة، فضلاعن ديون أخرى غير موثقة بالكامل لدى شركات التمويل الأصغر والجمعيات والأفراد.

المواطن لم يعد ينفق من فائض دخله، لأنه لم يعد هناك فائض أصلا، فجزء كبير منالمجتمع يعيش على تدوير الالتزامات، وتأجيل المستحقات، وإعادة جدولة الأقساط،ومحاولات مستمرة للبقاء فوق خط الاختناق المالي.

قرارات الحكومة، التي نقر بصحتها، تصبح، في مثل هذا السياق، عبئا نفسيا قبل أنتكون عبئا ماليا، لأن المواطن لا يقرأ القرار في سياقه الفني أو التشريعي فقط، وإنما منخلال كلفته الحقيقية على جيبه الخاص.

ما نحتاجه اليوم هو “ذكاء التوقيت” في الإدارة العامة، فجميع الحكومات قادرة علىاتخاذ القرار وإلزام المواطن به، لكننا نريد حكومات تراعي اختيار اللحظة المناسبة،فهناك فرق كبير بين قرار يفرض على مجتمع يمتلك هامشا اقتصاديا يسمح له بالتكيف،ومجتمع يشعر أصلا أنه يقف عاريا عند الحافة.

ما يحتاجه المواطن الأردني اليوم إشارات حقيقية تمنحه شعورا بأن الدولة ترى أوجاعهكما ترى أرقام موازناتها. يحتاج إلى أن يشعر أن هناك من يدرك حجم التآكل الذيأصاب قدرته الشرائية، والخوف الذي يعيشه تجاه المستقبل، والضغط النفسي الذييرافقه دائما.

الإصلاح والانضباط وحماية المؤسسات ضرورة كبرى. لكن الضرورة الأخرى التي لا تقلأهمية هي حماية الإنسان نفسه من الانكسار، فالمواطن الذي يشعر أنه يدفع وحدهكُلف الأزمات، قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرا على احتمال المزيد.

لا نطلب من الحكومة أن تتراجع عن الإصلاح، ولكن عليها أن ترتب أولوياته، وأن تعيدالنظر في توقيته، وتبحث عن لحظة أقل قسوة وأكثر عدالة، لحفظ التوازن بين ضروراتالدولة وكرامة الناس.الغد

قد يعجبك ايضا